ابن كثير

333

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 146 إلى 147 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) يخبر تعالى أن علماء أهل الكتاب ، يعرفون صحة ما جاءهم به الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كما يعرف أحدهم ولده ، والعرب كانت تضرب المثل في صحة الشيء بهذا ، كما جاء في الحديث « 1 » . أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لرجل معه صغير « ابنك هذا » ؟ قال : نعم يا رسول اللّه أشهد به ، قال « أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه » . قال القرطبي « 2 » : ويروى عن عمر أنه قال لعبد اللّه بن سلام : أتعرف محمدا كما تعرف ولدك ؟ قال ، نعم وأكثر ، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته « 3 » ، وأبني لا أدري ما كان من أمه ( قلت ) وقد يكون المراد يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ من بين أبناء الناس كلهم ، لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم . ثم أخبر تعالى أنهم مع هذا التحقق والإتقان العلمي لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ أي ليكتمون الناس ما في كتبهم من صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلم وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، ثم ثبت تعالى نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين وأخبرهم بأن ما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم هو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ، فقال : الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) قال العوفي عن ابن عباس . ولكل وجهة هو موليها يعني بذلك أهل الأديان ، يقول لكل قبيلة قبلة يرضونها ووجهة اللّه حيث توجه المؤمنون . وقال أبو العالية : لليهودي وجهة هو موليها ، وللنصراني وجهة هو موليها ، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة . وروي عن مجاهد وعطاء والضحاك والربيع بن أنس والسدي نحو هذا ، وقال مجاهد في الرواية الأخرى والحسن : أمر كل قوم أن يصلوا إلى الكعبة ، وقرأ ابن عباس وأبو جعفر الباقر وابن عامر « ولكل وجهة هو مولّيها » ، وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [ المائدة : 48 ] وقال هاهنا أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم .

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 5 ص 81 ) ( 2 ) تفسير القرطبي 2 / 163 . ( 3 ) عبارة القرطبي : « بعث اللّه أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه فعرفته » .